الارشيف / غير مصنف / شوف تيفي

عذرا.. هذا القانون لا يشبهني

بقلم إدريس شحتان 

يبدو أن الحديث الدائر حاليا حول قانون الصحافة والنشر، الذي صادقت عليه الحكومة مؤخرا، والمزمع أن تناقشه إحدى اللجان البرلمانية خلال القادم من الأسابيع، هو حديث "ذو سجون".. أقصد ذو شجون، لأنه بقدر ما اكتوينا بنار قانون الصحافة الحالي، والذي أدى بنا ذات خميس أسود إلى "بوغمغم" بسنة سجنا نافذا، أصبح السجن في القانون الجديد يخيفنا أكثر.. والخوف هنا ليس من السجن في حد ذاته، مادمنا قد ذقنا مرارته في تأنيها الرتيب، ولكن الخوف، كل الخوف، على المكتسب الذي جاء به دستور 2011 لفائدة الجسم الصحافي من جهة، وللمواطن من خلال دسترة حقه في المعلومة من جهة ثانية.

لهذا، تابعت باهتمام شديد النقاش الذي دار خلال الأسبوع الماضي، في برنامج "مباشرة معكم" الذي ينشطه الزميل جامع كلحسن، والذي بلغ فيه التفاعل أوجه حول قانون الصحافة والنشر بين نور الدين مفتاح، رئيس فدرالية الناشرين، ومصطفى الخلفي، وزير الاتصال، وعبد الله البقالي، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، والمحامي خالد الإدريسي الباحث في قانون الإعلام والاتصال.
في الحقيقة، لقد هرمنا، كما أصبح مشاعا، من أجل قانون صحافة ونشر يشبهنا، قانون يستوعب خصوصيتنا، ويأخذ بملاحظاتنا كمهنيين أولا، وناشرين بدرجة ثانية، حتى يعطي معنى صادقا للمنطق التشاركي الذي روجه السي الخلفي كثيرا، كي يضفي "الشرعية" على هذا القانون الذي وصفه بـ"الثورة". لذلك، أكبرت في الزميل نور الدين مفتاح صراحته وانفعاله الطبيعي، وهو يتحدث في البرنامج ذاته بعنفوان الصحافي وغيرة الناشر وحرقة المسؤول، عن قانون يراه يخرب المهنة أكثر مما يصلح أعطابها، ويكرس للسجن بالقدر الذي ينتقص فيه من الحرية، ويشرعن للتناقض في أكثر من مادة، وكأنه صيغ على عجل، رغم الملاحظات الكثيرة والمقترحات الغزيرة التي أرسلناها للوزير، حتى تتوافق مع حجم انتظاراتنا لقانون عمر طويلا في مختبرات بعيدة عن أهل الاختصاص. لذلك، كان وصف مفتاح للقانون بـ"المليء بالألغاز" مثاليا.
عذرا سيدي الوزير.. إن هذا القانون ليس ثورة كما وصفته أكثر من مرة وفي هكذا مناسبات، صحيح أنه صناعة محلية خالصة قد تدرج ضمن المكتسبات مستقبلا، لكنه لا يخدم المهنة، ولا يبعث على الاطمئنان في جسم صحافي راكم ما يكفي من المطبات طيلة عقود خلت.. لقد أجمعنا، مهنيين ووزارة وصية، على إنتاج قانون خال من العقوبات السالبة للحرية.. وجهنا ملاحظات واقتراحات وفق منطق أردناه أن يكون تشاركيا، لكن هذا القانون لا يشبهنا. كما لو أنه حمل جينات غير جيناتنا، فرأى النور بعيب خلقي، كان ممكنا إجهاضه في رحم المشرع، لوجود علة تستوجب الإجهاض، من المنظور التشريعي وليس الشرعي.. إنه ليس مليئا بالألغاز فحسب كما وصفه الزميل مفتاح، وإنما مليء بالألغام، وبالفجوات التي تحيل على منظومة قانونية أخرى زاجرة بالدرجة الأولى، كما لو أن العقوبات السالبة للحرية، المبطنة والملغزة، في القانون الجديد، تم تهريبها "غير بالفن" إلى القانون الجنائي.

إن قانون الصحافة والنشر الجديد حمال للأوجه، متناقض يكشف عن ارتباك اليد التي أعدت بعض فصوله الزاجرة. فكيف سيكون لما يمكن اعتباره جريمة أكثر من عقوبة في أكثر من نص.. جريمة واحدة بأربع عقوبات محتملة، وغرامات بديلة عن الحبس تؤدي إلى الاعتقال في حالة عدم أدائها. إن "السخاء" في إنتاج نصوص زجرية تحدد عقوبات متفاوتة لجريمة واحدة أمام تعدد المسالك، يلغي فصول هذا القانون، مادام القضاء سيجد نفسه أمام جريمة لها أكثر من عقوبة بعد تعدد المتدخلين، ومن ثمة تحضر السلطة التقديرية بكل ثقلها، والتأويل في مداه الأبعد لتحديد العقوبة التي يراها أنسب، وهذا في ظل وجود قضاء غير متخصص في جرائم الصحافة والنشر.
في كل الديمقراطيات المتقدمة، يراعي قانون الصحافة والنشر بعدين أساسيين، الأول حماية الصحافة من كل ما قد يعيقها أثناء ممارسة الصحافي لعمله النبيل، والحرص على بعث الاطمئنان في نفسه حتى يؤدي وظيفته السامية في تنوير المجتمع. أما البعد الثاني فهو الحرص على حق المواطن في المعلومة والإخبار والمعرفة، مع خلق توازن بين البعدين معا. هكذا يراعي المشرع في الدول التي تحترم نفسها للمنتوج التشريعي الذي ينظم المهنة.. أما النموذج الإسباني، الذي يبدو أن وزيرنا قد أغرم به، وربما استلهم منه بعض الجوانب في "قانونه الجديد"، فهو نموذج رديء، كما يصفه زملاؤنا الإسبان، ومتراجع جدا مقارنة حتى مع بعض الدول العربية التي تعيش الآن زمن السيبة.
إن زمن الوزير في عمر الحكومة التي صادقت على هذا المشروع قصير جدا، بالنظر إلى تعاقب أكثر من وزير على تدبير شؤون القطاع، لكن عمر الصحافي مديد في مهنته، وبالتالي ليس من الصواب أن يترك وزير الاتصال، وهو أحد أبناء المهنة الأكفاء، للجسم الصحافي قانونا تمثل كثير من فصوله حقولا كهربائية عالية التوتر.. لقد قال النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) يا وزيرنا: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".. فبادر إلى منطق الإتقان حتى تشملك محبة الله وعباده.. صحافيين ومواطنين.. انتهى الكلام.

 

فهاماطور للأخبار والأنباء

تطبيق الاخبار على الجوال

كنت تقرأ خبر عن عذرا.. هذا القانون لا يشبهني في فهاماطور للأخبار والأنباء ونحيطكم علما بان محتوى هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري شوف تيفي ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر فهاماطور للأخبار والأنباء ، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي شوف تيفي مع اطيب التحيات.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى