الارشيف / غير مصنف / شوف تيفي

الحب في زمن ''الويفي''

بقلم إدريس شحتان

مر عيد الحب في بلادنا على الطريق غير المعبَّدة من وجداننا.. مر مرور الكرام وانصرف كما المنسيين في أرشيف الذاكرة.. تثاءب ملء فاه، ثم نام وهو يضرب لنا موعدا آخر، في فبراير آخر، على أمل أن يصبغ محطته القادمة بالأحمر القاني.. بلون أحمر الشفاه.

مر عيد الحب في بلادي بدفء غير الدفء، جس نبضنا باستحياء.. كان خجولا، حاني الرأس، كما لو أنه لم يجد له مكانا بيننا.. مر من قنوات النسيان التي تتسع داخلنا. لكنه انتصر في آخر المطاف على بدع المبتدعين، وتزمت المتزمتين وقسوة القساة، بعدما عمَّق أكثر من نحثه للرقم 14 في كل "فبرايرياتنا".. لقد انتصر الحب في زمن اللا حب، فأخرج ساستنا من روتين السياسة للإفتاء فيه، والتنظير له، ومقاربته مع فطرة الحب عند الحيوانات، كما فعل "ماوكلي الحكومة"، حين خص الحب بالإنسان، وأسقطه نسبيا على الحيوانات، بما في ذلك التماسيح، التي تحن على صغارها وتتنكر لكبارها.
وبعيدا عن أية مقاربة، قد لا أبالغ إذا ما قلت إن الحب كعاطفة إنسانية خلاقة، مُحدد لتطور الفرد داخل المجتمع، وعامل أساسي في صقل المواهب وتطوير المعارف والرفع من ثقة الإنسان في ذاته وقدراته وملكاته الفكرية. فهو بنزين القلب، و"أسبرين" العقل وأوكسجين الجسد، بل وطاقة مجددة من المفروض أن تظل مشتعلة إلى الأبد، لذلك، فإن إنسانا بلا حب، كائن يعيش فقط، لكنه لا يحيى..
قد لا أبالغ أيضا إذا جزمت أن الحب كـ"تيمة وجدانية" وروحانية، تكاد تختنق في زماننا هذا، أو ربما هي تحتضر الآن، بفعل الغلو في الحب ذاته، حد التمييع، حتى أضحت هذه العاطفة النبيلة سلوكا أكثر منها شعورا.. تزيد في وقت "التعبئة المضاعفة"، وتنقص عند انقضائها.. بل ترتفع حرارتها بارتفاع صبيب "الويفي"، ويعتريها برود صقيعي عند أول مطب لـ"الكونيكسيون".. إن الحب في "زمن الويفي" فاقد للونه الطبيعي وطعمه المحفوظ على طرف لسان القلب، وفاقد للرائحة التي تجذبنا بالسليقة للتفاعل مع هذه الكيمياء العجيبة.

قديما، وبغض النظر عن فطاحلة الشعراء الذين وطنوا للحب في دواوينهم الخالدة، أفرد فقهاؤنا كتبا فريدة حول الحب، لم يجد أحد منهم أي حرج في تشريح هذه العاطفة الجياشة، ولم ير أحد منهم في الأمر أية بدعة من شأنها الانزلاق بهم في متاهة الملذات وهوى النفس.. على العكس من ذلك، حملوا "تيمة الحب" إلى مختبراتهم الفقهية والعلمية، وألقوها في وعاء النفس، فكان للحب تلاوين تزيد حرارتها بدرجات متفاوتة، بين الود والعشق والغرام والوله والتتيم والصبابة وغيرها من ضروب الحب. لكن مهما زادت هذه العاطفة أو نقصت، ظلت بالنسبة لهم قيمة إنسانية تنصهر في بواطن النفس، فتنعكس على سلوك الفرد داخل الجماعة..
وهنا يتوحد كثير من علماء الاجتماع، في أن أجمل وصف للحب، جاء على لسان العلامة ابن قيم الجوزية، الذي قام بحفريات عميقة في هذا الشعور الإنساني الفريد، حيث قال إن الحب "امتزاج الروح بالروح لما بينهما من التناسب والتشاكل (التشابه).. تشاكل النفوس وتمازجها في الطباع المخلوقة"، قبل أن يورد وصفا مثاليا للحب الذي يخالج الرجل والمرأة في العلاقة الواحدة، قائلا: "فإذا امتزج الماء بالماء امتنع تخليص بعضه من بعضه، وقد تبلغ المحبة بينهما حتى يتألم أحدهما بتألم الآخر".

إن من يتسع قلبه للحب، كيفما كان نوعه.. حب الله، حب الوطن، حب الوالدين، حب الأبناء، حب العمل، حب الآخر... كائن مميز في سلوكياته العامة، يرقى بحبه عن أية ظروف مناسباتية، فيسمو إلى الطباع السامية في الإنسان، حتى يلامس هذا الحب كقيمة جمالية ربانية بالدرجة الأولى، بعدها يقطف نصيبه من السعادة كغاية الغايات في حياتنا. لذلك كان الحب أساسا للألفة والأنس والتمازج والمخالطة والمعاشرة الراقية والصادقة بين الرجل والمرأة.

لكن هل ما يزال هذا الحب كائنا فينا، بيننا، في زمن التواصل السريع و"الشات" السهل؟ هل يتحسس جيلنا الحالي بواطن النفس للإحساس بقيمة الحب كشعور إنساني نبيل، بعيدا عن أية إسقاطات للجسد؟ ألم يُفرغ الحب من محتواه، حتى صار شيئا وقتيا، يزيد كلما ارتفع منسوب المصالح بين المتواطئين على فعل الحب؟ أم إن هذا الشعور ما يزال هو نفسه منذ ألقاه الخالق في قلوب عباده، وبالتالي ما يزال ثابتا على طبيعته، في حين تغيرت القلوب التي تفرزه؟ وفوق ذلك كله، هل حقا تلاشى الحب كقيمة عند المغاربة؟
هنا تعزو عالمة الاجتماع الراحلة فاطمة المرنيسي، تراجع قيمة الحب عند المغاربة، وتحديدا الشباب، إلى عدم قدرتهم على التعبير عن خوالجهم تجاه من يحبون، فتحدثت عن الوضع الراهن للشباب المغربي وظهور ما يسمى بـ "جيل الانترنيت" الذي فقد متعة المشاطرة والحوار والقدرة على الإقناع الصادق وجها لوجه، ففَقد بناء على ذلك إمكانية قراءة ذاته في الآخر الذي يشكل المرآة.. فلنحفز فينا ذرات الحب، حتى ننتصر للإنسان الذي يسكننا.. فالحب هو الروح الصادقة التي تسكننا، هو المناعة ضد الأمراض المحيطة بنا.. هو البلسم لكل ضغوط الحياة.. هو الطريق السليم لمفهوم السعادة الحقيقية.. هو المقاوم الحقيقي لكل العراقيل المنصوبة أمامنا.. باختصار الحب هو المفهوم الحقيقي لمعنى الحياة التي نشتهيها..

فأين الإشكال إذن، هل في الحب أم إننا لا نعرف كيف نحب؟ في انتظار الجواب الذي يسكن كل واحد منا، أقول لكم ابحثوا عن الحب الذي يسكنكم إنه متواجد داخل قلوبكم الطاهرة المستترة.. فأخرجوه إلى الوجود يخرجكم الحب من كل الشرور.. ودامت لكم المودة والمحبة.

 

فهاماطور للأخبار والأنباء

تطبيق الاخبار على الجوال

كنت تقرأ خبر عن الحب في زمن ''الويفي'' في فهاماطور للأخبار والأنباء ونحيطكم علما بان محتوى هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري شوف تيفي ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر فهاماطور للأخبار والأنباء ، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي شوف تيفي مع اطيب التحيات.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى